محمد حسين علي الصغير
54
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
مفردات القرآن ، ومدارك اللغة ، وقضايا الصرف والموازين ، ومذاهب القراء ، ومصادر النّحو العربي . على أن الفراء أشهر تلاميذ الكسائي ، وهو يحيى بن زياد الكوفي ( ت : 207 ه ) هو أول من تناول مسائل النحو ، ومصادر اللغة ، وفلسفة العربية الفصحى في كتابه الجليل : « معاني القرآن » « 1 » . وقد بدأ الفراء بإملاء هذا الكتاب على تلامذته استقراء من فاتحة الكتاب حتى استوفى القرآن العظيم ، فكان الرجل من تلامذته يقرأ الآية ، والفراء يفسر ، وهكذا حتى أتم الكتاب إملاء من غير نسخة « 2 » . وانتشر الكتاب في بغداد انتشار النار في الهشيم ، ولا أحسب الخطيب البغدادي مبالغا فيما رواه عن أبي بديل الوضاحي في هذا الصدد ، قال : فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني ، فلم يضبط قال : فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا » « 3 » . وقد ذهب ثعلب ( ت : 291 ه ) مذهبا إفتائيّا في الثناء عليه فقال : « لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه » « 4 » . وقد اعتبر الأستاذ بروكلمان : الفراء : أول من قعد لدرس تفسير القرآن في مسجد من مساجد بغداد ، ونقل قول ثعلب : « ولولا الفرّاء لما كانت اللغة ، لأنه خلصها وضبطها ، ولولا الفرّاء لسقطت العربية ، لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب » « 5 » . والدقة تقتضي : أن يقال : إن الفراء هو أول منظم لدرس التفسير أسبوعيا من ناحية الزمن ، وتسلسليا من ناحية ترتيب المصحف ، وتكامليا من حيث استقطب كل سور القرآن ، وليس هو أول من ألقى دروسا مستقلة
--> ( 1 ) حققه الأستاذ محمد علي النجار . ( 2 ) ظ : مقدمة المعاني : 1 / 13 . ( 3 ) ظ : معاني القرآن ، مقدمة التحقيق : 1 / 13 . ( 4 ) ابن النديم ، الفهرست : 66 . ( 5 ) ظ : بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 4 / 9 وانظر مصادره .